محمد الريشهري
3413
ميزان الحكمة
ثانية تنطبق أعماله على الأوضاع والأحوال المحيطة به المجتمعة المؤتلفة في ظرف حياته . وهذه الرابطة على نحو الاقتضاء غالبا ، غير أنها ربما يستقر استقرارا لا مطمع في زوالها من جهة رسوخ الملكات الرذيلة أو الفاضلة في نفس الإنسان ، وفي كلامه تعالى ما يشير إلى ذلك كقوله : * ( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون * ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ) * ( 1 ) إلى غير ذلك . ولا يضر ذلك صحة إقامة الحجة عليهم بالدعوة والإنذار والتبشير ، لأن امتناع تأثير الدعوة فيهم مستند إلى سوء اختيارهم ، والامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار . فقد تبين بما قدمناه على طوله أن للإنسان شاكلة ، بعد شاكلة فشاكلة يهيؤها نوع خلقته وخصوصية تركيب بنيته ، وهي شخصية خلقية متحصلة من تفاعل جهازاته البدنية بعضها مع بعض كالمزاج الذي هو كيفية متوسطة حاصلة من تفاعل الكيفيات المتضادة بعضها في بعض ، وشاكلة أخرى ثانية وهي شخصية خلقية متحصلة من وجوه تأثير العوامل الخارجية في النفس الإنسانية على ما فيها من الشاكلة الأولى إن كانت . والإنسان على أي شاكلة متحصلة وعلى أي نعت نفساني وفعلية داخلية روحية كان ، فإن عمله يجري عليها وأفعاله تمثلها وتحكيها ، كما أن المتكبر المختال يلوح حاله في تكلمه وسكوته وقيامه وقعوده وحركته وسكونه ، والذليل المسكين ظاهر الذلة والمسكنة في جميع أعماله ، وكذا الشجاع والجبان والسخي والبخيل والصبور والوقور والعجول وهكذا ، وكيف لا ؟ ! والفعل يمثل فاعله ، والظاهر عنوان الباطن ، والصورة دليل المعنى . وكلامه سبحانه يصدق ذلك ويبني عليه حججه في موارد كثيرة ، كقوله تعالى : * ( وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحياء ولا الأموات ) * ( 2 ) وقوله : * ( الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ) * ( 3 ) إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة . وقوله تعالى : * ( كل يعمل على شاكلته ) * محكم في معناه على أي معنى حملنا الشاكلة ، غير أن اتصال الآية بقوله : * ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) * ووقوعها في سياق أن الله سبحانه يربح المؤمنين ويشفيهم بالقرآن الكريم والدعوة الحقة ويخسر به الظالمين لظلمهم ، يقرب كون المراد بالشاكلة الشاكلة بالمعنى الثاني ، وهي الشخصية الخلقية الحاصلة للإنسان من مجموع غرائزه والعوامل الخارجية الفاعلة فيه . كأنه تعالى لما ذكر استفادة المؤمنين من
--> ( 1 ) البقرة : 6 ، 7 . ( 2 ) فاطر : 19 - 22 . ( 3 ) النور : 26 .